أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني

44

مقامات بديع الزمان الهمذاني

نزلنا على أنّ المقام ثلاثة * فطابت لنا حتّى أقمنا بها شهرا فبينا أنا يوما في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها « 1 » وعصا قد اعتمدها ، ودنيّة قد تقلّسها « 2 » ، وفوطة قد تطلّسها « 3 » ، فرفع عقيرته وقال : اللّهمّ يا مبدئ الأشياء ومعيدها « 4 » ، ومحيي العظام ومبيدها ، وخالق المصباح ومديره « 5 » ، وفالق الإصباح ومنيره ، وموصل الآلاء سابغة إلينا « 6 » ، وممسك السّماء أن تقع علينا ، وبارىء النّسم أزواجا وجاعل الشّمس سراجا ، والسّماء سقفا والأرض فراشا ، وجاعل اللّيل سكنا والنّهار معاشا ، ومنشئ السّحاب ثقالا ، ومرسل الصّواعق نكالا ، وعالم ما فوق النّجوم ، وما تحت التّخوم ، أسألك الصّلاة على سيّد المرسلين ، محمّد وآله الطّاهرين ، وأن تعينني على الغربة أثني حبلها « 7 » ، وعلى العسرة أعدو ظلّها « 8 » ، وأن تسهّل لي على يدي من فطرته الفطرة ، وأطلعته الطّهرة ، وسعد بالدّين المتين ، ولم يعم عن الحقّ المبين ، راحلة تطوي هذا الطّريق ، وزادا يسعني والرّفيق .

--> ( 1 ) ركوة اعتضدها : وعاء يوضع فيه الحاصل ، جعله في عضده . ( 2 ) دنية قد تقلسها : قلنسوة قد لبسها . ( 3 ) فوطة قد تطلسها : ثوب اتخذه طيلسانا . ( 4 ) مبدئ الأشياء ومعيدها : خالق الأشياء ورادها بعد الفناء إلى مثل حالها الأول . ( 5 ) خالق المصباح ومديره : خالق الشمس ومحركها . ( 6 ) الآلاء السابغة : العطايا الشاملة . ( 7 ) ثنى حبل الغربة : وضع حدا لها ، أو كبح جماحها كالدابة . ( 8 ) أعدو ظل العسرة : أتجاوزها وأفارقها .